” إله الأشياء الصغيرة ” عمل روائي ضخم ضاجّ مزدحم للكاتبة الهندية أروندهاتي روي، والتي حصلت به على جائزة بوكر لعام 97م اللندنية.

قيل عن الرواية أنها العمل الأجنبي الذي أقنع الأمريكيين بإمكانية شراء وقراءة كتب دخيلة غير كتب غارسيا ماركيز وأمي تان!

وأظنه يقنعنا نحن العرب والشرقيون باقتناء كتاب يفضح كل هذا الكم من التطرف والقومية والطبقية في ظاهرة غير مسبوقة بهذا النحو الفاجع والمستلب من أعماق المجتمع الهندي بلُبه وأطرافه على شساعة التعداد البشري كقارة فيه واختلاف توجهات منظماته وعقائدهم!

صدامات بين الطبقات المجتمعية من جهة متمثلٌ في محاولة طبقة اقتناص اعتراف من الأخرى بسيطرتها وأحقيتها في التملك والعلو، في حين تحاول الأخرى انتزاع اعتراف بأحقية العيش والحصول على التعليم والاندماج مع الطبقات الأخرى في العمل والزواج و شئ من التقدير.. بينما يدور رحى صراعٌ آخر لا يقل شراسة بين الأديان والمذاهب داخل عمل لولبيّ الأفكار متراكب الأهداف يرمي حجرة في كل حدبٍ وصوب عن حسن تصويب!

تستعمل الروائية خط سردي مغاير للمألوف بمنهجية حديثة توائم أسلوب التفكير العصري الحديث المرتبك حيناً والمضطرب أحايين من حيث زخم الأفكار القوية و لولبتها بصورة تعصف بالعقل ومن حيث العناية بالتفاصيل والقوة التأثيرية وراء الأشياء الصغيرة!

تقول الكاتبة مؤكدة ” الأحداث الصغيرة والأمور الاعتيادية تُسحق ويُعاد تشكيلها وتُصبغ بمعنى جديد.. وفجأة تصبح العظام الحائلة لقصة.”

ليس للزمان خط مستقيم في هذه الرواية.. إنه يشبه إلى حد كبير خطوط الرسوم البيانية التي تحصي ارتفاعات سوق الأسهم العالمية وتدني مستوياتها ! فكلما تحملك سطور إلى لحظة آنية حاضرة بكثافة.. عادت لتنقلك دونما تعسف نحو ماضٍ سحيق غابر في حياة شخصية ما لكنه ليس منفصل عن قوام الشخصية وتشكلات نفسيتها وكذلك عن حاضرها نفسه!.. الأمر الذي يتمم الصورة قدر المستطاع حتى لكأنك تكاد تراهم يعيشون ويتألمون حولك..

خط زماني لا يدعك تمتطي صهوة الأسئلة.. إذ ستتوالى الإجابات مزيحة ستائر الغموض الذي قد يشوبك أثناء رحلة الإبحار مع شخوص يتسمون مثلنا جميعاً بقدر كبير من التركيب والتعقيد!

خطوط زمانية أنهكت الكاتبة حتماً حتى تنجز عملاً بهذه الوطأة من الألم.. من الإبداع.. من الحتمية! فتصلك النتائج قبل الدوافع والمسببات وتأتيك التمهيدات بعد الحكايات والمواقف.. لا يهم! طالما كان السبك محكماً بهذا الإتقان تماماً كما عبثية الواقع!

رواية تقترب من الحقائق كثيراً.. تناوشها حيناً وتسخر منها حيناً آخر.. تدعمها وتعجب بها مرة وتفندها وتنتقدها مرات ومرات.. تجد مفردات الأطفال بأخطائها اللغوية وعبارات التهكم بنبراتها الخفيضة و رعشات الشفاه وعبرات العيون.. كله كأنك تراه بالفعل! بجماله وقبحه دون تحيّز مطلقاً!

وبما أن الرواية كُتبت بالانجليزية.. فقد استخدمت الكاتبة – وأبدعت المترجمة في نقله للعربية- حروف الكابيتال وإبراز كلمات بعينها وتحديدها بخطوط مائلة أو غامقة لأهداف لم تبق ساكنة نفس يعقوب!

تقول المترجمة المبدعة حنان الجندي ” أن أول ما تصدمنا به الرواية هو حركة الشيء باتجاه اللغة، إنها رواية ” شيئية ” ” ! وإن كانت تنطلق المترجمة هنا من وجهة نظر تقنية فإني أظن الكاتبة أنطقت الأشياء ببلاغة وببساطة شديدة..

بالرغم من حضور المطر الباهت في العاطفة الهندية والرؤية السينمائية المكرورة والممجوجة كقوة تأثيرية تسدد مرمى عتيد اسمه وجدان المشاهد عادةً، بيد أنه يأتي هنا بصورة أكثر مصداقية حيث همّشته الكاتبة فجاء أعمق تأصيلاً مجلجلاً في النفوس لموقف بطله أحد عمّال الطبقة الوضيعة التي يطلق عليها Paravan والذي تجرأ بحب سيدته، وعلى الرغم من أن هذا ليس هو المحور الوحيد في الرواية إلا أن بضعة أسطر كانت كفيلة بخلق كل هذه الوخزات من الوجع.. وكل هذه الثورات من التمرد..

 

تقول روي ” بالرغم من أن المطر غسل بصقة ماماتشي عن وجهه، إلا أنه لم يوقف إحساسه بأن أحداً قد خلع رأسه وتقيأ داخل جسده، قئ متكتل يتقطر داخله.. فوق قلبه، فوق رئتيه. دلفت السماكة ببطء في تجويف معدته، جميع أعضائه غُسلت بالقيء. لم يكن باستطاعة المطر أن يفعل شيئاً بشأن ذلك” .

 

في نظري رواية مدهشة أرجو لكل من قرأها الاستمتاع الحقيقي بطيّات صفحاتها وبالدهشة التي تحمله سطور قليلة خارقة كهذه:

تقول أروندهاتي روي ” بعض الأمور تأتي مع عقوباتها الخاصة، مثل غرف نوم مع خزائن مبنية داخلها. سيتعلمون جميعاً أكثر بخصوص العقوبات قريباً، أنها تأتي في قياسات مختلفة. أن بعضها كانت كبيرة جداً، كانت مثل الخزائن المبنية داخل غرف النوم، بإمكانك قضاء حياتك بأكملها داخلها.. هائماً في الإقصاء المظلم”!

اترك رد